مكتبة الحي: ما الذي يحبه القرّاء فعلًا؟

مكتبة صغيرة في الحي، نحو ألفي عنوان مرتّبة على رفوف خشبية، تديرها صاحبتها وحدها. تعرف كل زاوية فيها، تستقبل القرّاء بالاسم، وتنصح كلًّا بما يناسبه. لكن خلف هذا الدفء كان هناك سؤال يقلقها: ما الذي يحبه القرّاء فعلًا؟

المبيعات كانت تخبرها بما يُباع، لا بما يُحَبّ. وهناك فرق كبير. كانت ترى الناس يقفون أمام الرف، يلتقطون كتابًا، يقلّبونه، يقرؤون الغلاف الخلفي، تُضيء وجوههم - ثم يعيدونه إلى مكانه ويمضون. ليس لأنهم لم يحبوه، بل لأن السعر ثقيل ذلك اليوم، أو لأن في أيديهم كومة كتب بالفعل.

فكانت ترتّب الرفوف وهي شبه عمياء. أيّ العناوين تستحق الواجهة؟ أيّها تُضاعف منه النسخ؟ أيّها تترك يرحل بهدوء؟ كل ذلك تخمين، تخمين مهذّب بخبرة سنوات، لكنه يظل تخمينًا.

ثم جرّبت فكرة بسيطة: بطاقة صغيرة برمز QR بجانب كل قسم من الرفوف. من أحبّ كتابًا لكنه لم يشترِه اليوم، يمسح وينقر إعجابًا. همسة هادئة تقول: "هذا الكتاب بقي معي." لا شراء، لا التزام، فقط أثر صادق لما لمس القلب.

راحت تراقب الأرقام تتراكم. بعض العناوين التي ظنّتها عادية جمعت إعجابات كثيرة، فاتّضح أن الناس يحبونها وإن لم يحملوها معهم تلك المرة. وعناوين أخرى كانت تفخر بها لم يلتفت إليها أحد تقريبًا.

شيئًا فشيئًا، بدأ الرف يعكس ما يحبه القرّاء حقًا. أعادت ترتيب الأكثر إعجابًا في متناول اليد، ومنحتها الواجهة الأمامية، وتركت بطيئة الحركة ترحل بلا أسف. صار اختيارها مبنيًّا على إشارة صادقة، لا على حدس وحده. الإعجاب أعطاها ما لم يعطها البيع: صوت القارئ الذي أحبّ ولم يشترِ.

تقول الآن إن الإعجاب صار لها أثمن من كثير من المبيعات. فمن يشتري قد تدفعه الحاجة أو الهدية أو الصدفة. أما من ينقر إعجابًا وهو يعيد الكتاب إلى الرف، فهو يقول بهدوء: تذكّري هذا الكتاب. وهي تتذكّر.